صانعو السياسات في حيرة.. كورونا يدقّ آخر مسمار في نعش الرأسمالية!
عبد
الكريم البليخ
فيما تكتسب أزمة
كوفيد 19 العالمية زخماً كبيراً، تقع وسائل الإعلام الغربية وصانعو السياسات في
حيرة وارتباك عظيمين، ضائعين في الرسوم البيانية لعدد الحالات المتصاعد وعدد الجثث
المتراكم، إلى جانب مسألتي شحن الكمامات وأجهزة التنفس وتجميع المستشفيات المؤقتة،
حيث امتلأت المشارح في كل مكان، وباتت المحارق تحرق جثث الضحايا بسرعة لم يَعْهدها
أيّ عصر.
وبينما يلوح شبح
الموت في كل صوب، يراقب المترفون وممثلوهم السياسيون الرسوم البيانية الأخرى بوجل،
فيجدونها لا ترتفع مثل رسوم الوفيات البيانية، بل تغوص للأسفل بصورة كبيرة، وهذه
الرسوم تمثل الانهيار الذي أحدثه فيروس كورونا في جميع أسواق المال، إلى جانب
الانحدار الشديد في أسعار النفط، فبات أشبه بالكساد الكبير، بل ربما يمسي أكبر.
ولم يدرك
المترفون بعد أن صرحهم المعقد المُشيّد على الاستغلال الوحشي للناس والموارد ضعيفٌ
كضعف قلعة مبنية من الرمال، فلا تكاد تطالها موجة مدّ بسيطة إلا وتنهار، لكن ما
يعصف بالرأسمالية الآن ليس موجة كهذه، بل إنها موجة تسونامي عملاقة اسمها كوفيد 19،
لربما الخوف أعماهم عن إبصار هذه الحقيقة.
واهمٌ من ظنّ من
السياسيين الغربيين أن بإمكانه إعادة النظام العالمي إلى ما كان قبل الجائحة،
وليحضر نفسه لصدمة قوية، فسواء أحبوا ذلك أم لم يحبوه، يمثل كوفيد 19 بداية حقبة
جديدة في مغامرة الإنسان على الأرض، ولن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قط، ومن
ثمّ، علينا أن نفكر بجدية، ليس في سيناريوهات الأزمة وحسب، وإنما في عواقبها المستقبلية
أيضاً.
ويجدر بنا دراسة
أسوأ السيناريوهات، أولها انهيار العولمة وصعود الدول الفاشية الشعبوية، وثانيها
تكتل طبقة المترفين وممثليهم السياسيين لفرض نظام عالمي استبدادي وحشي على جميع
البشر، وهذا السيناريو أسوأ من سابقه.
في إيطاليا ما إن
تفشى الفيروس، حتى بدأ إغلاق الحدود داخل الاتحاد الأوروبي، ويرجح أن يستمر هذا
الحال لشهور قادمة، وما أثار استياء الحكومة الإيطالية أن الصين وروسيا وكوبا كانت
سباقة في مساعدتها أكثر من فرنسا وألمانيا وغيرهما من دول الاتحاد، كما لو أن
العقيدة الترامبية تغلغلت في أوروبا بين عشية وضحاها، وسرعان ما اكتسب الحظر معنى
جديداً هو إغلاق الحدود الوطنية.
ومن الأمثلة على
ذلك، وهو مثال دنيء بحق، اختطاف جمهورية التشيك لطائرة صينية متجهة إلى إيطاليا
ومحملة بمساعدات طبية، بل إن الأمر أسوأ في هنغاريا، حيث استغل رئيس الوزراء
فيكتور أوربان أزمة كوفيد 19 ليستولي على السلطة ويحكم قبضته إلى أجل غير مسمى،
فأصبح إغراء "الفاشيين الجدد" بالسلطة والقوة أشدّ منْ أنْ يقاوموه،
علاوة على ذلك، تطبق الحكومات النيو ليبرالية أمثال حكومة ماكرون في فرنسا إجراءات
قسرية واستبدادية على شعوبها.
سيكون هذا أسوأ
كوابيسنا، وليس بإمكان المرء أن يستبعد هذا الخيار المتمثل بانقلاب أزمة كوفيد 19
لمصلحة "أباطرة الكون" أصحاب العقول الحقودة الذين يجتمعون في دافوس كل
عام، بل الأسوأ أن يصب في مصلحة من يسمون بعصبة بيلدربيرغ، وعلى الرغم من أن
الاقتصاد العالمي في حالة خراب، يريد صناع السياسات الذين يعملون لصالح طبقة
الأثرياء الاحتفاظ بسلطاتهم، وربما يظنون أن بإمكانهم الحفاظ على الخوف من
الجائحة، الذي جعل الناس يتقبلون الإجراءات القسرية، إلى أجل غير مسمى من خلال
وسائل الإعلام التي يسيطرون عليها، وليس صعباً على المرء أن يتخيل استعادة نسبة
ضئيلة من سكان هذه الدول لحرية الحركة والتجمهر، وفي هذه الأثناء يمكن عزل العجوز
والعامل العادي بطرفة عين، ثمّ من منهم بحاجة لأولئك البشر "المزعجين" في
خطوط الإنتاج الرأسمالية حينما يمكن استبدالهم بروبوتات سهلة الانقياد؟.
في داخل بعض
الناس ما يكفي من الشر ليفكروا على هذا المنوال، لكن مشكلة هذا الافتراض تكمن في
أن اقتصاد السوق الحر قد انهار، وباتت أهم السلع في العالم حالياً هي الكمامات
وأجهزة التنفس، يُصنع معظم الكمامات في الصين، وهي قيّمة للغاية حتى إننا رأينا
عملاء السي آي إيه يزحفون إلى الصين حاملين حقائب تملؤها النقود ليزايدوا على هذه
الشحنات الثمينة التي اشترتها فرنسا مسبقاً، وشارك الموساد في تهريب كميات كبيرة
من معدات الاختبار، وبات الكفاح القومي للنجاة فجّاً وبغيضاً، لكن لطالما كانت
الرأسمالية دموية ودميمة وخسيسة، لذا نأمل لصالح الإنسانية جمعاء أن يكون الضرر
الجهازي جسيماً يتعذر إصلاحه، فيُنهي لعبة الرأسمالية إلى الأبد.
وهناك بعض
الحكومات تحاول جاهدة التخفيف من الاضطرابات الاجتماعية المحتملة عبر حيل استخدمها
الأرستقراطيون خلال زمن الإقطاع، فكما أمير القلعة الذي يلقي حفنة عملات ذهبية
وفضية للفلاحين المتضورين من الجوع جراء محاصيل سيئة، يتَّبع أمراء الرأسمالية
سياسة "التخفيف الكمّي"، وهو تعبير ملطف لطباعة مبلغ ضخم من المال.
في الولايات المتحدة الأميركية تُخصص خطة
الإنقاذ التي تبلغ قيمتها 2.2 تريليون دولار بشكل أساسي لـ وول ستريت والشركات
الكبيرة، فيما يحصل المواطنون على فتات بشكل شيك قيمته 1200 دولار من العم سام.
مع ذلك، ترى
ملايين العاطلين عن العمل. إذ قدّم قرابة 10 ملايين شخص في الولايات المتحدة طلبات
بطالة منذ 16 آذار، ويعاني ملايين من أوضاع غير مستقرة، لذا توجب عليهم الاعتماد
على بنوك الطعام، وما هذا إلا كارثة في نظر الحكومات التي تحاول إبقاء غطاء على
بعض الاضطرابات الاجتماعية الخطيرة.
وإن ما يدفع
السكان إلى عنف الثورة هو البؤس واليأس، ومن الناحية العملية، يُحمِّل القمع
والمجاعة الناسَ فوق وسعها، إنّه انهيار جمعي ينتج عالماً لا يتبقى لديه شيء،
وبالتالي ليس لديه شيء يخسره.