إنَّ
عنصر الحاجة .. الحاجة إلى الأمن إزاء عناصر التهديد الخارجي، والحاجة إلى التقدّم
والقدرة على المنافسة وتحسين قيمة الحياة. عنصر الحاجة، هذا العنصر "الغريزي"
قبل أن يكون سياسياً أو فلسفياً.
هذا
العنصر، الذي هو الدافع للوحدة في أوربا. إنني أراه موجوداً في حالتنا، نحن العرب،
بدرجة أقوى وأشد إلى حد كبير.
وإذا
كنت أركّز عليه فلأنه العنصر البديهي، العملي والواقعي جداً، والذي لا يحتاج إلى
مناقشة، أو تدليل أو دخول في نظريات وفلسفات يمكن الخلاف عليها.
فما
بالنا إذا كان هذا العنصر الغريزي، ليس هو العنصر الوحيد في حالتنا نحن العرب.
نحن
العرب نتكلم لغة واحدة، ودول السوق الأوربية المشتركة تتكلم سبع لغات. ونحن العرب
تراثنا واحد، فلو سألت فرداً عربياً في أي مكان عن شاعره المفضّل مثلاً فسيقول لك
المتنبي، أو أبو العلاء المعري، أو أحمد شوقي. بصرف النظر عن كون هذا الفرد
مغربياً يطل على المحيط، أو كويتياً يطل على الخليج. في حين أنك لو سألت الأوربي
لاختلف الأمر قطعاً..
فالانجليزي
سيقول لك أنَّ شاعره هو شكسبير، والألماني سيقول لك "جوته"، والفرنسي
سيقول لك "فيكتور هيجو"، وهكذا..
وإلى
جانب وحدة اللغة والتراث توجد عشرات من وشائج الوحدة المعروفة التي لا تتوافر في
مكان آخر. وبوجه عام فالوحدة في أوربا "فكرة" عملية طارئة، في حين أنَّ
الوحدة العربية حقيقة عاشت قروناً ولربما تقطّعت أوصالها سياسياً في مراحل لاحقة،
ولكن ظلّت الحقيقة على مستوى الشعوب قائمة وجذورها عميقة.
الأوربيون
بدأوا مسيرتهم سنة 1960، وقطعوا فيها أشواطاً طويلة.. والجامعة العربية قامت سنة 1945،
ولم تقطع بعد معشار الشوط الذي قطعه الأوربيون دون ضجّة ولا مضاربات.
ربما
لأن الأوربيين يتناولون أمورهم بأسلوب عقلاني مطلق ليس للعاطفة فيه مكان. وهذا ليس
نفياً لقيمة العاطفة، فالعاطفة عنصر حافز ودافع قوي بالتأكيد. ولكن الاعتماد عليه
وحده دون درجة كافية من العقلانية، يبدو أنه لا يوصل إلى شئ.. لأن العاطفة
بطبيعتها متقلّبة، سريعة التأثَّر، يتراوح عليها المد والجزر، والحساب العقلي ليس
كذلك.. أو ربما لأن الأوربيين لهم علينا ميزة أن المستوى الحضاري بين دولهم السبع
والعشرين بعد خروج بريطانيا مؤخراً من
الاتحاد، مستوى متقارب، ونظمهم السياسية والاقتصادية متماثلة أو شديدة التشابه،
وقيمهم الاجتماعية وأنماط سلوكهم واحدة.
هذه
أمور تسهّل التكامل والتوحيد كثيراً. وهي أمور يجب أن نعترف أنّها ليست متوافرة
لدينا.. ولكننا في نفس الوقت نعرف من تجارب كثيرة أن عدم توافر هذه الظروف ليس
بالعقبة الكأداء التي لا يمكن تجاوزها.
المشكلة
أنَّ كل مشروعاتنا في مجال الاقتصاد، وتسهيل الاتصال والانتقال وتنسيق الخطط
وتكامل المشروعات، نحطّمها دائماً على صخرة الخلافات السياسية، وبين نظم الحكم لا
بين الشعوب، فلا تمضي هذه المشروعات إلاّ وتتوقف. ولا تتصل هذه الشرايين في الجسد
الواحد إلاّ وتتقطّع.
ولو
فصلنا بين الخلاف السياسي، وبين المجالات الأخرى، التي تزيد في تلاحم جسد الأمّة
العربية لتغيّرت أمور كثيرة.
.. ماذا أقول؟؟..
إننا
نعيش ما هو أسوأ!. نعيش في مرحلة حروب أهلية عربية!.
فهل
ما نزال في المرحلة التي مرت فيها أوربا بهذه الحروب؟
أي
نعيش القرون الوسطى؟!