المانية | مقالات | رجاء شامخ
القارئ لا يحتاج إلى من يقص عليه مآسيه واضطهاده وغياب العدالة الاجتماعية، إنه يعرف كل هذا ويعاني منه يومياً، وإنما هو بحاجة إلى أدب جديد ففي الأدب الجديد تحريض وتوعية.
"غابريال غارسيا ماركيز"
تتوالى الصدمات في مجموعة صلصال أمريكي و أول ما يصدم هو هذه السطحية المفاجئة شيئا ما في الاقصوصة الاولى خاصة وهي التي تحمل على عاتقها عنوان الكتاب كاملا
فما الذي حدث هل اصبح الخشناوي بسيطا الى هذه الدرجة ؟.. ثم يلح السؤال عليا أكثر حين أتذكر أن
ناجي الخشناوي الناقد و الاعلامي و الصحفي معروف في الاصل بعمقه و تشدده
هذه الأسئلة نفسها هي التي دفعتني من جهة أخرى لاستعجال قراءة الأقصوصة و بقية صفحات المجموعة
-عندما فهمت هذا- استوعبت أن دهشتي تحولت في الأثناء الى دهشة فضولية دهشة معرفية فهل هذه السطحية اختيارية ؟
عندما يغوص القارئ في صلصال أمريكي يفهم ان عمق القصة الأولى ليس عمقا روتينيا .. عمق مختلف عمق مخالف للمعنى المجرد للكلمة عمق في الشجاعة السردية
القصة لا تزيد عن سيرة ذاتية فالبطل هو الكاتب نفسه و الطفلة هي يارى (و من لا يعرف يارى؟) لكن الجديد هو هذه التفاصيل العادية و المشابهة لتفاصيل يوم اي رجل تقدمي و مثقف
الفرق ... ان لناجي هذه الشجاعة في الخروج من جبة الكاتب الذي ينمق و يبهرج عادة صورته ويحيطها بهالة من الفخامة و الكاريزما الى صورة المواطن العادي الذي لديه وقت للاهتمام ببيته و ابنته ... في ثورة كتابية تامة على شكل المثقف المجتمعي الذي لا نصوره الا امام المكتبة او الميكروفون او في اقصى الحالات العائد بابنته من المدرسة أو يشتري الحفاظات و الحليب
هؤلاء الذين يباهون بتقدميتهم و ايمانهم بالمساواة الجندرية لم يكن لهم الشجاعة في تصويرها داخل البيت على شكلها الواقعي و الحقيقي
قلمهم محنط ربما لا شعوريا بالصورة الابوية فنحن نراهم يسوّقون لوضعياتهم و صورهم في الاجتماعات و في المقاهي و يختصرون التمرد على المجتمع و الأعراف في قنينة نبيذ على الطاولة .. لم اقرأ سابقا لكاتب في علاقة زوجية قائمة انه يتسوق للمعينة و ياكل و يشرب الى اخر الليل ناسيا ابنته في الغرفة المجاورة الى أن تنام على الارض و في غياب تام للأم عن البيت و لا تظهر حتى ببعض تعليمات تلفونية
و لأن ناجي يبقى ناجي ففي خضم هذه السردية اليومية و كل هذه الواجبات البيتية تطفوا صور خارجة عن ما سبق (عن الهامبرغر و عن غرفة الطفلة الغير مرتبة و الملآى باللعب و عن الخادمة ذات النظرات المستفزة) ليحظر فجأة ترامب و اليمن و حتى صبرا و شاتيلا..
الحقيقة ان مثقفين كثيرين يعيشون اياما مشابهة لكن لم اقرأ قبلها أن أحدًا يطبّع مع هذه الصورة و يجاهر بكل هذه التفاصيل السطحية بما فيها ..... حين تنسيه علب البيرا التسعة ابنته التي في الغرفة المجاورة و هي حوادث نتحاشى كلنا الحديث عنها في هروب ربما من الشعور بالذنب ..
هنا أتأكد أنه لم يكن شكي باستسهال الكتابة في محله .. فثقل الاعترافات و ثقل المفاجأة هو كل قوة النص، القوة لم تكن في الزخرفة الكلامية و لكن في الصدق و الواقعية : بكسر الصورة النمطية للمثقف ذي الغليون، الموغل بين كتبه أو المثقف الصعلوك المترنح بين الحانات و النساء هي صورة البين بين هي اليومي السائد لأب في العشرية الثانية للقرن الواحد و العشرين بكل بساطة و جرأة لكنها و رغم الانكار le déni intellectuel هي الصورة الحقيقية للتقدمي التونسي اليوم
بعد هذا الاكتشاف فهمت اكثر أوتار المجموعة و لم اجد أي تنافر في بقية القصص الأخرى من حيث الأسلوب الذي اتخذه الكاتب هذه المرة : بساطة التعبير و عمق الصور .. الى ان وصلت الى اقصر اقصوصة في المجموعة ؟
لا أحد منكم شاهد الجحيم ..
العنوان كان مختلفا و طويلا يكاد يكون أطول من القصة نفسها يبعثني مباشرة الى ايحاآت وجودية و حتى فلسفية لكن مرة أخرى أخدع .. هذه المرة بعادية المشهد حتى ......."التفاهة"..... مشهد عشناه كلنا مشهد طحن بعض الفواكه الجافة في الخلاط كهربائي
لأكتشف بعد بضع سطور أن فيه آلاف التفاصيل التي تمر أمام العين دون أن ندركها. حوّل الخشناوي المشهد الموغل في البساطة و التكرار الى ساحة وغى تتصارع فيها الحبات ضد ما أسماه بالوحش الأسطوري* يقصد السكين القاطع للخلاط و نكتشف أن للحبات داخل الخلاط أنواع فمنها المحاربة الشرسة و التي تكابد* و تتحاشى السكين و منها الطريّة المستسلمة المرتخية في صمت و التي لا نسمع لها دشدشة أو أنينا*
ثم يعود مرة أخرى الى الحبات "المناضلة" و التي من فرط رقصها هربا أثناء حصار الخلاط تتمايل مثل دراويش خمرتها الموسيقى*
بل و يتآتى في أذن الكاتب بدل صوت الرحي صوت صراخ و عويل .... المفاجئ أنك أنت كقارئ تعيش المشهد و تسمع كل هذا من خلال طريقة كتابية ثلاثية الأبعاد 3D أي أنك لا تسمع فقط أو تتخيل الحدث بل تعيش كل هذه التفاصيل فوجدت جسمي يتمايل لا شعوريا مثل الحبات التي تتراقص لتتفادى القاطع لأفرح و أحزن معها... كل هذا ...... في مشهد أقل من عادي يمر علينا كلنا دون أن نكتشف أن فيه كل هذا الزخم
مشهد يتحول في نهايته الكاتب الى بطل رحيم سوف يضع نهاية لهذا العواء و الألم او ما اسماه بالجحيم الصغير* من خلال ضغطه على الزر الأحمر ...... في معنى رمزي أن الحروب و المعارك لا تنهيها الخسائر أو المكاسب و لكن هناك طرف خارجي محرّك ..
هذه المجموعة جعلتني أكتشف لدى ناجي الخشناوي ميزة لم أكن أعرفها سابقا في كتاباته و هي أنه لا يحتاج تماما الى التضخيم في الصورة ولا الى المبالغة فيها هو يأخذ الصورة على بساطتها ليخرج كل ما فيها و يشتق منها عمقا لا تراه "النفوس المجرّدة"
في هذه المجموعة عملية تحيين مفصلية و تجديد للصور القصصية المكررة و التي مرت علينا دائما حتى تآكلت تاريخيا : تآكلت أسلوبا و حركية درامية ...... لهذا فأنا لا أتصور أني أبالغ اذا قلت أننا مع تيار أدبي جديد هو التيار التجريبي فنحن رأينا منذ عقود فنونا تجريبية في عالم الرسم و المسرح و الفلسفة و الآن الأدب التجريبي و هنا لا أتحدث عن السير الذاتية و عن الأدب الواقعي و لكن عن أدب تجريبي مجدّد في الأسلوب و في الصور مشاهد يتم احيائها بقلم يكتب عام 2020
فهل أبالغ اذا قلت أن المجموعة نقطة فارقة في الأدب الحديث و شرارة ربما لتيار جديد ؟