القسم : مجتمع
تاريخ النشر : 16/05/2020 6:58:04 AM
اللاجئون السوريون في النمسا: تعثّر في تعلّم اللغة ورغبة في العودة للوطن
اللاجئون السوريون في النمسا: تعثّر في تعلّم اللغة ورغبة في العودة للوطن

عبد الكريم البليخ

يعيش اللاجئون السوريون ممن يُحاولون الوصول وبطرقٍ غير شرعية، إلى الدول الأوروبية هرباً من حمم الموت والدمار الذي لحق بهم من أجل العيش بكرامة، مأساة حقيقية، ومحاولاتهم البائسة في الوصول إلى بوابة العبور الأوروبية المختلفة الاتجاه التي رحّبت بهجرتهم القسرية وأدمتهم في القلوب.

شباب في عمر الورود أعياهم الحزن، وأوجعهم في مقلتي العيون المأسورة. أحزان، يتامى، تدمع عيونهم من الواقع الذي عايشوه، نتيجة أحوال الطقس والبرد، والرغبة الملحّة بالعودة إلى حضن الوطن برغم المعاناة وحاجز اللغة الذي يشكل صعوبةً بالغةً في الاندماج مع المجتمع النمساوي، وهاهم اليوم صاروا أسرى اللجوء، بعد اجتيازهم تركيا، اليونان، مقدونيا، هنغاريا، مروراً بالنمسا، ولم يعد في مقدورهم العودة إلّا بعد أن ينتهي بهم المشوار.


اللجوء إلى النعيم

القصد من ذلك، أنّه ليس بالأمر اليسير الخروج من الدول التي سبق وأن قرّروا اللجوء إليها، والتي صار يطلق عليها باسم دول "النعيم" مثل ألمانيا، والسويد، والنمسا، وسويسرا، وبلجيكا، والدنمارك، وفرنسا، والنرويج، وهولندا.

ومن جهة أخرى فقد أصبحت اتفاقية "دبلن" الأكثر شهرةً، لدى السورييّن بوجه خاص، لدى المهاجرين ــ اللاجئين إلى منطقة ما يُعرف بدول "الشنغن" وهي الاتفاقيّة التي وضعتها تلك الدول لمعرفة البلد المسؤول عن دراسة طلب طالب اللجوء ومنحه إياها من عدمه.

المشكلة الكبرى هي الدول التي لا تقدّم الشيء الكثير للاجئ سواء من ناحية الضمان الصحيّ، مثل: اليونان، وبلغاريا، والمجر، أو دول لا تعطي معونات ماديّة جيّدة، مثل تلك التي ذكرناها سابقاً، ويضاف إليها إيطاليا، وإسبانيا.

وتضاف إلى المجموعة الأخيرة فرنسا، بالنسبة للاجئين غير المتزوجين، والذين تقلّ أعمارهم عن (26) عاماً.

تفرض اتفاقية "دبلن" أن يكون البلد الأوّل الذي وطأته قدما اللاجئ هي الدولة المختصّة بدراسة طلب لجوئه، حتى ولو لم يقدّم طلب اللجوء هناك. وهذا ما يجعل اللاجئ يتهرّب في عدم تقديم بصمته، وطلب لجوئه، في دول مثل بلغاريا، وهنغاريا، وإسبانيا، قبل الوصول إلى الدول الأوربية الأكثر حضوراً وحط رحالهم على أراضيها، فهذا يلزمه وقتاً ليس بالقصير حتى ينتهوا من الإجراءات التي يخضعون لها، ما يعني قبولهم كلاجئين، وفق القوانين المعمول بها، لجهة كل دولة على حدة.

وبات يتساءل الكثير من السوريين الذين فضّلوا اللجوء إلى الدول الأوروبية، عن مدى قناعتهم بالهجرة إليها، وهل هم مقتنعون بكل هذه المعطيات؟ وان حصلوا على جنسية أي دولة أوروبية، أو حتى جنسية الولايات المتحدة الأمريكية، العملاق الاقتصادي الضخم، هل ينسيهم هذا حبّهم وولاءَهم لبلدهم؟ وهل هم راضون بالغربة أصلاً، والبعد عن الأهل والأحبّة والديار، وجلسات الحارة الساخنة، بأحاديثها الجانبية، وسلام المارّة، والتحيّة المفعمة بالحب لذلك الشيخ، ولتلك العمّة، وذاك الطفل؟

 

معاناة

يقول زياد خطّاب، وهو لاجئ سوري من أصل فلسطيني: "لا أظن أنَّ الحصول على جنسية أي بلد، يمكنها أن تلفظنا عن بلدنا، وتبعدنا عنه. ذاك البلد العظيم الذي ترك في قلب كلٍ منا غصّة، وغصّة لها عنوانها العريض!". وأضاف: "غيابنا عن الوطن بهذه الطريقة أبعدنا عن شغلنا ومصالحنا التي تركت عرضة للخراب والسرقة وقيمتها بالملايين، ونحن اليوم في النمسا، ولأكثر من خمسة أعوام نحاول تعلّم اللغة وفيها من الصعوبة ما يكفي. الحاجز بصراحة صعب وصعب جداً". ويتساءل: "ما العمل؟".

ويضيف صالح الهللو "محام": "على الرغم مما نحن فيه اليوم، من بهرجة الإقامة، والتفاخر بها من قبل الغالبية من المغتربين الذين سبق وأن حصلوا عليها، وممن ينتظرون، والأحاديث الجانبية التي لا ينفك أي مجلس محلي في أي مدينة سورية عن الحديث عنها، والحديث الرئيس يوصف واقع المغتربين وأحوالهم، وقفزاتهم بعد أن عانوا ما عانوا من قهر وحرمان وضياع وقت طويل لأجل الوصول إلى دول النعيم، ومثال ذلك: ألمانيا، هولندا، النمسا، السويد، الدنمرك، سويسرا، بلجيكا، النرويج، فنلندا، وبريطانيا، وغيرها كثير من الدول الأوروبية".

وتؤكد الشقيقتان نور عبد الكريم البليخ، الطالبة في السنة الأولى في كلية الهندسة المدنية في جامعة TU، وزبيدة عبد الكريم البليخ الطالبة في السنة الرابعة في كلية العلوم قسم الكيمياء في جامعة دمشق، التي لم تكمل دراستها بسبب الحرب السورية الضروس: "بصراحة المعاناة كبيرة جداً، وتحمّلنا على مضض مشكلة الوصول والخوف الذي انتابنا نتيجة عبورنا بحر ايجة وبقائنا لأكثر من 6 ساعات في عرض البحر، ونفاذ وقود محرك "البَلم" الزورق الذي حط بنا أخيراً في إحدى الجزر اليونانية. كل هذا، في الواقع، أهون ألف مرّة من مرارة العيش التي كنا نعانيها يومياً أثناء تواجدنا في دمشق، ومعاناة السكن، وانقطاع التيار الكهربائي، وغياب المياه، وغلاء المعيشة، أضف إلى ذلك الخوف والقلق والحاجة، وكثير من المنغّصات التي اضطرتنا إلى الهروب من الوطن واللجوء إلى النمسا".

وأضافتا: "تظلّ قسوة الغربة والبرد الشديد الذي عانينا منه أفضل بكثير من الواقع الذي كنا نعيشه في بلادنا، ونحاول جادّين في الوقت الحاضر، بعد أن حصلنا على الإقامة تعلّم اللغة الألمانية والاندماج مع الشعب النمساوية، ومن خلال ذلك يمكن تجاوزنا الصعاب التي واجهتنا، ومحاولاتنا الجادة في دخول الجامعة في فيينا كل حسب رغبتها".

 

حياة أو موت!

ويقول المحامي محمد خالد رحابي 60 عاماً، من سوريا: "صرفنا الكثير من الأموال لقاء الوصول إلى تراب تلك الدول الأوروبية التي احتضنت، مشكورةً أعداداً كبيرة من اللاجئين، وتعرّضت وأسرتي إلى المغامرة والموت المحقّق نتيجة عبورنا البحر بواسطة "بلم" مطاطي، علاوة على تأمين المبالغ الضخمة التي تتطلب لهذه المغامرة الخاسرة! وهي مغامرة خاسرة، بكل الأحوال! وأنا الآن مقيم في النمسا، وضعنا جيد، وما يقدم لنا من خدمات من قبل الحكومة النمساوية عجز، وللأسف، بلدنا الأصل عن تقديمها".

والتقت "ألمانية" بالشابين سوران محمد، وجنكيز فلات من مدينة القامشلي السورية، فقالا: "المعاناة كبيرة جداً، إلاّ أنه وبعد جهد كبير توصلنا إلى المكان الذي كنا نمني النفس أن نصل إليه. نعيش حالياً في النمسا، ونكنّ للشعب النمساوي الطيّب كل الود والاحترام. صرفنا الكثير من المال للوصول إلى هنا، ناهيك عن الخوف الذي انتابنا أثناء عبورنا بحر إيجة، ودفعنا الكثير من الأموال لأشخاص لا نعرفهم. المهم وصلنا بسلام".

كما التقينا المعلمة نيكول كوبار، من أصل برازيلي، التي تدرّس اللغة الألمانية في إحدى المدارس النمساوية في فيينا، تقول: "لا شك أنَّ هناك صعوبة بالغة في تعلّم اللغة لمستها من خلال تدريسي بعض اللاجئين، وبصورة خاصة كبار السن، وهناك البعض منهم مستواه جيد وقابل للتطوّر والنجاح. ما ينقص البعض المتابعة في البيت، والمشاركة داخل الصف بشكلٍ أفضل. اللغة تحتاج إلى استمرارية في التعلّم، والأغلبية من الطلاب، بصراحة، وكما يبدو لي، لا يهمهم أن يتعلموا، فهم يحتاجون إلى مراجعة ما سبق وأن تعلموه في المدرسة، وحفظ مفرداتها، والتركيز على قواعدها وهي أساس تعلّم اللغة بشكلٍ صحيح".

بقي أن أشير إلى أنه، ومن خلال لقائي لأعداد كثيرة من اللاجئين المغامرين بحياتهم، فانَّ ما صرف لقاء الوصول بهم إلى تلك الدول الأوروبية مبالغ مالية فاق الـ 6 آلاف يورو للشخص الواحد، ومنهم من دفع لقاء وصوله إلى تلك البلاد الذهبية الــ 12 ألف يورو ونيّف، بعيداً عن المعاناة التي تجاوزت الأشهر الـستة، قضوها بين الغابات والعواصف، والرياح والأمطار، ومخاطر البحر، والموت الزؤام.

التعليقات
شارك بالتعليق الاول للخبر
اضافة تعليق جديد

جميع الحقوق محفوظة لموقع - المانيا بالعربية

لا مانع من الاقتباس او النقل شريطة ذكر المصدر